ابن كثير
17
البداية والنهاية
أراد من الأموال ، فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم ، وأن يكون خراج دار أبجرد له ، وأن لا يسب علي وهو يسمع ، فإذا فعل ذلك نزل عن الامرة لمعاوية ، ويحقن الدماء بين المسلمين . فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية على ما سيأتي بيانه وتفصيله ، وقد لام الحسين لأخيه الحسن على هذا الرأي فلم يقبل منه ، والصواب مع الحسن رضي الله عنه كما سنذكر دليله قريبا . وبعث الحسن بن علي إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع ويطيع ، فأبى قيس بن سعد من قبول ذلك ، وخرج عن طاعتهما جميعا ، واعتزل بمن أطاعه ثم راجع الامر فبايع معاوية بعد قريب كما سنذكره . ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين ، ولهذا يقال له عام الجماعة ، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية ، والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين كما سنذكره إن شاء الله ، وحج بالناس في هذه السنة - أعني سنة أربعين - المغيرة بن شعبة ، وزعم ابن جرير فيما رواه عن إسماعيل بن راشد أن المغيرة بن شعبة افتعل كتابا على لسان معاوية ليلي إمرة الحج عامئذ ، وبادر إلى ذلك عتبة بن أبي سفيان ، وكان معه كتاب من أخيه بأمرة الحج ، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم الثامن ليسبق عتبة إلى الامرة . وهذا الذي نقله ابن جرير لا يقبل ، ولا يظن بالمغيرة رضي الله عنه ذلك ، وإنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل ، فإن الصحابة أجل قدرا من هذا ، ولكن هذه نزعة شيعية . قال ابن جرير : وفي هذه السنة بويع لمعاوية بايلياء - يعني لما مات علي - قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع ، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنه ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاولوه ، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم ، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيد المسلمين ، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم . والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا " ( 1 ) وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليما . وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية ، ورغبته في الآخرة الباقية ، وحقنه دماء هذه الأمة ، فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد . وهذا المدح قد ذكرناه وسنورده في حديث أبي بكرة الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يوما وجلس الحسن بن علي إلى جانبه ، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ثم قال :
--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد في مسنده 5 / 220 ، ومن طريق أبي بكرة رواه أبو داود في السنة 4 / 211 والترمذي في الفتن 4 / 503 والإمام أحمد 4 / 273 .